قصص النصر والمقاومة

مدنٌ وبلداتٌ هاجمها الإرهاب فقاومت. نميّز بأمانة بين قصص النصر العسكري وقصص التضحية والصمود — فالتاريخ يُروى كما وقع.

نصر · صلاح الدين

صمود آمرلي — الحصار الذي هزّ ضمير العالم

عندما انهارت المدن الكبرى واحدة تلو الأخرى في حزيران 2014، بقيت بلدة صغيرة يسكنها تركمان شيعة اسمها آمرلي شوكة في حلق التنظيم. قطع داعش الماء والكهرباء ومنع الغذاء والدواء عن نحو 15 ألف محاصَر، وكان أهلها يعلمون أن مصيرهم إن سقطت هو الإبادة. نظّم أهل آمرلي — شرطتها وفلاحوها وطلابها — أنفسهم في خطوط دفاعية، يتناوبون على السواتر ليل نهار بأسلحة خفيفة، والنساء يخبزن للمقاتلين ويداوين الجرحى في حرّ يتجاوز 45 درجة، وشربوا ماء الآبار المالحة، والمروحيات تهبط ليلاً بإمدادات شحيحة. في 23 آب حذّرت الأمم المتحدة من «مجزرة محتملة»، فنفذت طائرات أمريكية وبريطانية وفرنسية وأسترالية إنزالات إغاثية. وفي 31 آب 2014 تقدمت أرتال الجيش والحشد الشعبي والبيشمركة من ثلاثة محاور ودخلت البلدة، فاستقبلها الأهالي بالأهازيج والدموع بعد 84 يوماً من الحصار. سجلت آمرلي أول انتصار كبير على داعش في العراق، وأثبتت أن مدينة محاصرة بلا جيش تصمد إذا قررت ألا تركع.

تضحية وصمود · الأنبار

البو نمر — مقاومة دفعت ثمنها إبادةً

عشيرة البو نمر — حليفة سابقة في الصحوات — رفضت مبايعة داعش وتصدت له في هيت وضفاف الفرات لأشهر. فلما سقط القضاء في تشرين الأول 2014 انتقم التنظيم بإعدامات جماعية بحق الرجال والنساء وحتى الأطفال في مقابر جماعية، في واحدة من أبشع مجازره بحق عشيرة عربية سنّية، أرادها رسالة ترهيب لكل العشائر. لم تركع العشيرة: توجه آلاف من أبنائها الناجين إلى قاعدة عين الأسد وتطوعوا للقتال، وشاركوا في صد هجمات التنظيم على ناحية البغدادي المجاورة مطلع 2015 ثم في معارك تحرير هيت عام 2016. تُوثَّق هذه الحالة كقصة تضحية وثبات على الموقف رغم الإبادة، لا كقصة نصر عسكري.

نصر · صلاح الدين

الضلوعية — جزيرة الجبور المحاصرة

الضلوعية بلدة سنّية يلتف حولها دجلة كضلوع تحيط بالقلب، يسكنها نحو 70 ألفاً معظمهم من الجبور. دخلها داعش منتصف حزيران 2014 ظاناً أن بلدة سنّية ستكون حاضنة له، لكن عشائرها انتفضت عليه بعد يومين فقط وطردته، لتصبح من أوائل البقاع التي لفظت التنظيم. عاد داعش بقوة أكبر ففجّر الجسور وفرض حصاراً خانقاً نحو 200 يوم، قاتل فيها أبناء الجبور ببنادقهم الشخصية رافضين البيعة وهم يعلمون أن التنظيم أعدّ لهم مصير البو نمر. والمفارقة التي صارت مضرب مثل في وحدة العراقيين: كان قارب النجاة الوحيد نهر دجلة نفسه، إذ عبرت الإمدادات والذخيرة والجرحى بالزوارق من مدينة بلد الشيعية المجاورة إلى إخوتهم الجبور السنّة المحاصرين، في تكافل شطب الطائفية التي أراد داعش زرعها. وفي 28–30 كانون الأول 2014 انطلقت عملية التحرير من محور بلد ورُفع الحصار نهائياً عن بلدة مدمرة بنسبة 60% لكنها حرة.

تضحية وصمود · صلاح الدين

العلم — البلدة التي قاتلت حتى آخر امرأة

حين سقطت تكريت في 11 حزيران 2014، كان يفترض بمنطق داعش أن تتبعها بلدة العلم المجاورة خلال ساعات. لكن البلدة الزراعية الصغيرة على ضفة دجلة الشرقية أغلقت مداخلها وحمل رجال عشائرها بنادقهم. ولم يكن المشهد الأكثر تأثيراً رجلاً بل امرأة: أمية ناجي جبارة، المحامية وعضو مجلس المحافظة، ابنة الشيخ الذي اغتالته القاعدة مع اثنين من أبنائه. كان بوسعها أن تنجو بمنصبها وأولادها الأربعة، لكنها وقفت على السواتر الأمامية تقاتل إلى جانب رجال عشيرتها حتى استشهدت برصاص التنظيم في 22 حزيران 2014. وفي الأيام نفسها كان أهالي العلم وعشائر تكريت يهرّبون مئات الجنود الناجين من قاعدة سبايكر بالزوارق عبر دجلة، منتزعين إياهم من مصير المجزرة. صمدت البلدة نحو أسبوعين شبه معزولة ثم فرض عليها التنظيم سيطرته بقوة النار والتفوق العددي — والحقيقة تُوثَّق كما هي: العلم لم تنتصر عسكرياً في 2014، لكنها لم تبايع ولم تنكسر روحها. وحين بدأت معركة تحرير تكريت كانت العلم أول ما تحرر في 10 آذار 2015 وصارت قاعدة الانطلاق نحو المدينة.

نصر · بغداد

حزام بغداد — العاصمة التي لم يدخلها التنظيم

في صيف 2014 كان السؤال في عواصم العالم: هل تسقط بغداد؟ كانت أرتال داعش على بعد كيلومترات من أبو غريب، وتتخذ من جرف الصخر — على بعد 50 كيلومتراً — قاعدة لتفخيخ السيارات وتهديد كربلاء والنجف. انهارت أربع فرق عسكرية في الشمال وبدت العاصمة مكشوفة. ثم جاءت اللحظة التي غيّرت مسار الحرب: فتوى الجهاد الكفائي في 13 حزيران 2014، فتدفق عشرات الآلاف من المتطوعين — طلاب وعمال وفلاحون وشيوخ — ليتشكل منهم الحشد الشعبي. تمركزت القوات والمتطوعون في طوق دفاعي متصل عُرف بـ«حزام بغداد»: خنادق وسواتر وأبراج مراقبة من أبو غريب إلى التاجي إلى المدائن واليوسفية، تكسرت عليها طوال أشهر محاولات التسلل وموجات المفخخات. لم يدخل داعش بغداد أبداً. ثم انتقل المدافعون إلى الهجوم: في عملية عاشوراء (24–26 تشرين الأول 2014) حُررت ناحية جرف الصخر بالكامل وأُمّنت بوابة بغداد الجنوبية وطريق الزائرين إلى كربلاء. (للأمانة التوثيقية: ملف عودة أهالي جرف الصخر النازحين ظل عالقاً لسنوات بعد التحرير وهو بُعد خلافي موثق).

نصر · الأنبار

حديثة — المدينة التي لم تسقط أبداً

حين سقطت الموصل ثم معظم الأنبار، وقف وجهاء حديثة أمام خيار واحد طرحه داعش: البيعة أو الحرب. اجتمع شيوخ الجغايفة مع ضباط المدينة وقرروا: «نقاتل مهما حدث». لم يكن بيد المدنيين يومها سوى نحو مئة بندقية، لكن قوة عسكرية منسحبة بنحو 400 آلية توقفت لتسند المدينة بدل أن تواصل الانسحاب. في 14 حزيران 2014 صُدّ أول اختراق، وكرّت بعدها ثلاث سنوات من الهجمات والحصار: مدينة معزولة تصلها الإمدادات بشق الأنفس عبر قاعدة عين الأسد أو جواً، ومدارسها تفتح أبوابها تحت القصف. في آب وأيلول 2014 حاول التنظيم انتزاع سد حديثة فتصدت له القوات والعشائر بدعم أول ضربات جوية أمريكية في الأنبار. وجاء الامتحان الأقسى في «معركة الأيام التسعة» (3–12 كانون الثاني 2016): أكثر من 500 مقاتل داعشي هاجموا من ثلاثة محاور بـ52 سيارة مفخخة، فصمدت المدينة وأفشلت الهجوم بالكامل. بقيت حديثة طوال الحرب الجيب الحكومي الوحيد الصامد في أعالي الفرات، ولُقبت بحق «المدينة التي لم تسقط».

نصر · صلاح الدين

الدفاع عن سامراء — المدينة التي كسرت اندفاعة داعش الأولى

فجر 5 حزيران 2014 — قبل سقوط الموصل بخمسة أيام — اجتاحت أرتال داعش سامراء وسيطرت على ستة أحياء ووصلت إلى مقربة من مرقد الإمامين العسكريين، المرقد الذي كان تفجيره عام 2006 قد أشعل حرباً أهلية، وكان التنظيم يريد بتدميره هذه المرة إشعال ما هو أعظم. أدركت بغداد أن سقوط سامراء كارثة رمزية لا تعوَّض، فدفعت خلال ساعات بتعزيزات مؤللة وغطاء مروحي، واستعادت القوات الأحياء الستة وطردت المهاجمين في اليوم نفسه. وبعد أيام سقطت الموصل ثم تكريت، وصارت سامراء جيباً حكومياً تحيط به الأرض المحتلة من كل الجهات — لكنها لم تسقط. وفي 13 حزيران صدرت فتوى الجهاد الكفائي فتدفق عشرات آلاف المتطوعين وكانت سامراء وحماية مرقدها في مقدمة محاور انتشارهم. تحولت المدينة إلى خط الصد الذي تكسّرت عليه محاولات التنظيم طوال 2014، وأعنفها هجوم 9 كانون الثاني 2015 بمئات المقاتلين والمفخخات. بصمودها منذ اليوم الأول حرمت سامراء داعش من «فتنة المرقد» التي خطط لها.

نصر · أربيل

دفاع البيشمركة عن أربيل — حيث كُسرت أسطورة داعش

مطلع آب 2014 فجّر داعش هجوماً مفاجئاً واسعاً على مناطق البيشمركة، فسقطت خلال أيام سنجار وزمار وسهل نينوى ثم قضاء مخمور وبلدة الكوير على بعد نحو 25 كيلومتراً فقط من أربيل. دبّ الذعر في عاصمة الإقليم وفرّ عشرات الآلاف، وبدت «أسطورة» التنظيم الذي لا يُهزم في أوجها. كانت لحظة مفصلية للعالم كله: في 8 آب 2014 أعلنت الولايات المتحدة بدء الضربات الجوية لحماية أربيل — أولى ضربات ما سيصبح التحالف الدولي ضد داعش. وعلى الأرض أعادت البيشمركة تنظيم صفوفها بسرعة، وبالتنسيق مع القصف الجوي الذي دمّر أرتال التنظيم المكشوفة في السهول، شنّت هجوماً معاكساً استعاد مخمور والكوير خلال أيام، ثم ثبّتت خط جبهة امتد أكثر من ألف كيلومتر. لم يقترب داعش من أربيل بعدها أبداً. هنا تحديداً ثبت للمرة الأولى منذ سقوط الموصل أن زحف التنظيم يمكن إيقافه وعكسه، وهنا وُلد التحالف الدولي، وشكّل صمود الجبهة درعاً لمئات آلاف النازحين من كل المكونات الذين احتموا بالإقليم.

تضحية وصمود · نينوى

مزار شرف الدين — ثمانية عشر رجلاً بوجه الإبادة

في 3 آب 2014 انقضّ داعش على سنجار لينفذ ما وصفته الأمم المتحدة لاحقاً بالإبادة الجماعية بحق الإيزيديين: قتل الرجال وسبي النساء وتجنيد الأطفال. فرّ مئات الآلاف إلى الجبل المقدس يموتون عطشاً تحت شمس آب. لكن عند مزار شرف الدين، أقدس مقامات الإيزيديين على السفح الشمالي للجبل، وقف رجل يناهز الستين اسمه قاسم شيشو ومعه ثمانية عشر مقاتلاً فقط ببنادق خفيفة، وأقسموا ألا يُهدم المزار إلا على أجسادهم. هاجمهم التنظيم بالمدرعات والهاونات — سبع عشرة هجمة موثقة على مدى خمسة أشهر — وفي كل مرة صدّه المدافعون عن أسوار المزار الأبيض. تحول المقام إلى قلعة استقطبت المتطوعين فتضخمت القوة إلى مئات المقاتلين الإيزيديين، بينهم آباء فقدوا عائلاتهم كلها. وفي كانون الأول 2014 اخترقت البيشمركة الحصار وفتحت طريقاً إلى الجبل، ثم حُررت مدينة سنجار في تشرين الثاني 2015. بقي المزار سالماً لم تمسه يد التنظيم، وصار صموده رمز البقاء الإيزيدي. مع التأكيد التوثيقي: هذه ملحمة موضعية داخل واحدة من أكبر مآسي العصر — توثيق سنجار الكامل يحمل عنوان الإبادة أولاً، ومنها مأساة قرية كوجو التي أُبيد رجالها في 15 آب 2014.

نصر · صلاح الدين

ملحمة مصفى بيجي — أطول معركة دفاعية في حرب داعش

في الأيام التي تهاوت فيها المدن، تحول أكبر مجمع نفطي في العراق إلى قلعة. هاجم داعش مصفى بيجي في حزيران 2014 وأعلن مراراً «سقوطه الوشيك»، لكن المئات من منتسبي جهاز مكافحة الإرهاب وقوة حماية المصفى تمترسوا بين الخزانات وأبراج التكرير وقرروا أن المصفى لن يكون غنيمة تموّل «الخلافة». شهور من القتال داخل متاهة من الأنابيب والمنشآت القابلة للاشتعال: قناصة على الأبراج، وسيارات مفخخة تضرب البوابات موجة بعد موجة، وإمداد لا يصل إلا بالمروحيات ليلاً. في تشرين الثاني 2014 قاد الفريق عبد الوهاب الساعدي عملية اختراق برية فكت الحصار الأول بعد نحو خمسة أشهر، وعانق المحاصِرون رفاقهم في مشهد صار من أيقونات الحرب. عاود التنظيم تطويق المجمع مطلع 2015 وتسلل إلى أجزاء منه في نيسان، فدارت معارك غرفة غرفة وخزاناً خزاناً بين الحرائق، حتى حررت القوات المشتركة والحشد الشعبي المدينة والمصفى بالكامل في تشرين الأول 2015. دفع العراق أكثر من ألفي شهيد في حملة بيجي، لكن صمود المصفى استنزف داعش وحرمه من أهم مورد اقتصادي، ومهّد لتحرير صلاح الدين ثم الموصل.